إنتهت الحرب السادسة - أو الجولة الأولى منها - , واختلف المتابعون حول المنتصر والمهزوم, وحول الطرف الذي تسبب في هذه الحرب, فاتهم البعض حزب الله باستفزاز إسرائيل وإدخال لبنان في مغامرة غير محسوبة العواقب معها, وهو رأي أختلف معه لعدة أسباب:
- أن إسرائيل لا تزال تحتجز العديد من الأسرى اللبنانيين, وهذا كفيل بإعطاء حزب الله الحق في استخدام كل الطرق المتاحة لإستعادتهم, فعلى إسرائيل إطلاق سراح الأسرى أولا كي لا تُستفز.
- إسرائيل أيضًا لا تزال تحتل جزءا من الأراضي اللبنانية لم تتراجع عنه, ومعنى هذا أن الحرب لم تنتهي بعد, فلا معنى لوجود تهمة “الإستفزاز” هذه.
- كان من الواضح أن حرب لبنان كانت معدة مسبقا, ويتضح هذا من الإصرار الأمريكي عليها والحديث المبتذل عن «الشرق الأوسط الجديد», ومما يؤيد هذه النظرية المصادر التي ذكرها الكاتب الكبير فهمي هويدي, فقد ترددت كتابات مختلفة وجود نوايا أمريكية إسرائيلية لهذه الحرب, وأن كل ما حدث أن أسر حزب الله للجنديين قد عجّلها عن الميعاد الذي كان محددا لها في الخريف المقبل, من هذه المصادر بالنص عن مقالة فهمي هويدي [ الصحافي الأميركي الشهير سيمور هيرش في مجلة «نيويوركر» «عدد 12/8» ومنها تقرير الكاتب الأميركي وين مادسون المتخصص في شؤون الأمن القومي، الذي نشره في عدة صحف أميركية، وأورده مناهضو الحرب في إسرائيل على موقعهم الإلكتروني وفيه أورد تفاصيل عديدة حول تاريخ اللقاءات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة التي ناقشت خطة الغزو «في 17 او 18/6» ومكان تلك اللقاءات التي تمت في ولاية كلورادو، وأسماء المشاركين فيها، في مقدمة الأميركيين نائب الرئيس ديك تشيني وفي مقدمة الإسرائيليين بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء السابق، في التقرير أيضا حديث صريح عن مخطط استهدف ما سمي بـ «تنظيف الشرق الأوسط» الذي بدأ باحتلال العراق، ومهد لضرب سوريا وإغلاق الملف الفلسطيني، لكي ينتهي بقصف إيران وتدمير مشروعها النووي. الفكرة ذاتها ترددت فيما نشر الكاتب البريطاني جورج مونبيورت في صحيفة الغارديان «عدد 8/8» وفيه قرر أن خطة غزو لبنان الأصلية أعدتها إسرائيل في عام 2004 وأجريت عليها تعديلات عدة بعد ذلك، اشترك فيها الأميركيون والبريطانيون ] .
- ومما يؤكد صدق الإفتراض السابق أن هذه ليست أول عملية يقوم فيها حزب الله بأسر جنود إسرائيليين, ولكنها المرة الأولى التي تلجأ إسرائيل فيها إلى حربًا مفتوحة ردا على هذه العملية, فمثلا في عام 2000 قام حزب الله بعملية محدودة أسر فيها ثلاثة جنود وضابطا متقاعدا, وبعد ثلاث سنوات من المفاوضات بوساطة ألمانية نجح الحزب في الإفراج عن 400 أسير لبناني وعربي, فحزب الله لم يكن يريد هذه الحرب المفتوحة, ولكن إسرائيل أرادتها, وكانت ستحدث إن آجلا أو عاجلا .
أردت فيما سبق ان أوضح الأسباب التي تدفعني لتحميل مسؤولية هذه الحرب على إسرائيل وحدها دون حزب الله, لأن ما فعله حزب الله هو رد فعل لما قامت به إسرائيل وليس العكس, إسرائيل هي من بدأت باحتلال لبنان قبل أربعة وعشرين عاما, وهي من ترفض الإنسحاب من كامل أراضيها, وهي من لا يزال يحتجز أسراها, فبأي وجه يدعي البعض أن الحرب لم تكن سوى رد فعل من إسرائيل؟
والآن بعد أن انتهت الحرب.. من خرج منصورا ومن خرج مهزوما؟ في استطلاعات الرأي داخل إسرائيل نفسها - والتي أجرتها صحيفة يدوعوت أحرونوت في 14 و 16 أغسطس - يرى 6% من الإسرائيليين أن القرار جيد بالنسبة لهم, في حين يرى 66% أنه سيئ, وفي استطلاع آخر رأى 70% منهم أنه كان يجب على الحكومة الإسرائيلية رفض القرار مقابل 27% كانوا مع الموافقة عليه!, ولهذه الإستطلاعات دلالة واضحة على ما يراه أبناء الدولة اللقيطة أنفسهم, لكن دعونا نفكر سويًا.. لكي نستطيع أن نحدد المنتصر فعلا فنحن بحاجة لأن نعرف الأسباب التي أدت بنا إلى هذه الحرب أصلا, الأمر بدأ حينما قام حزب الله بعملية «الوعد الصادق» ونجح في أسر جنديين إسرائيليين, بعد عدة أسابيع من نجاح المقاومة الإسلامية في فلسطين من أسر أحد الجنود أيضًا.. فشعرت إسرائيل بغياب قوة الردع لديها تماما, بالإضافة لوجود نية مسبقة -كما وضحنا في الأعلى- لإشعال هذه الحرب في الأساس.. فدخلت إسرائيل هذه الحرب لتحقيق عدة أهداف:
- إستعادة جندييها الأسيرين من حزب الله دون الدخول في تفاوض مباشر أو غير مباشر مع الحزب .
- تدمير القوة العسكرية لحزب الله, وهو ما ظهر من الإدعاءات المتتالية بتدمير نصف قوة حزب الله, والتي ثبت زيفها.
أما حزب الله حين بدأت الحرب, كانت أهدافه محددة في الآتي:
- الحفاظ على الأسيرين ليتم استبدالهما بالأسرى اللبنانيين عن طريق التفاوض الغير مباشر.
- إنهاء الحرب دون أن تحتل إسرائيل أرضًا لبنانية جديدة.
وحتى الآن, إنتهت الحرب.. وفشلت إسرائيل في تحقيق أيًا من أهدافها, بل على العكس.. صمود حزب الله قضى على ما بقى من الأساطير التي قضت عقودا في بنائها, ولأول مرة تُضرب إسرائيل في عمقها ويلجأ مستوطنوها إلى الخنادق منذ أن بُدِعت دولتهم, وعلى الطرف الآخر لا يزال حزب الله محتفظا بأسيريه, محافظًا على أراضي دولته.. فبكافة معايير حساب النصر والهزيمة العسكرية فقد انتصر حزب الله, والإنتصار غير الصمود, ولو تكلمنا عن الضحايا المدنيين, فمهما زاد عددهم - مع تأثرنا الشديد بما حدث لهم - إلا أنهم لا مكان لهم في حسابات النصر والهزيمة, لأن المنتصر هو من يحقق أهدافه مهما بلغت تضحياته, والمهزوم هو من يفشل في تحقيق أهدافه مهما كان عدد الخسائر البشرية أو المدنية التي أصابها في الطرف الآخر, لأن أي مدني لبناني قتل لم يقدِّم إسرائيل خطوة تجاه تحقيق أهدافها.. فعلى أي أساس يعطي البعض إسرائيل نصرا وهميا - لم تدعيه هي حتى - لأنها قتلت أكثر من ألف مدني؟ بهذا الشكل فقد انتصر هتلر في الحرب العالمية الثانية نصرا ساحقا! .
|
August 23, 2006 | 9 تعليق |














